Discover
العلوم الحقيقية - Real Sciences
العلوم الحقيقية - Real Sciences
Author: العلوم الحقيقية
Subscribed: 177Played: 524Subscribe
Share
© http://real-sciences.com/%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF/
Description
Interviews with scientists and skeptics; and book reviews – لقاءات مع علماء ومشككين وقراءات في كتب علمية
39 Episodes
Reverse
تتناول المقابلة كيف أدى تفشي إنفلونزا الخيل عام 1872، والمعروف باسم "الوباء الحيواني العظيم"، إلى شلل تام في مدن أمريكا الشمالية، وكيف أطلق شرارة تغييرات دائمة في مجالات الطب، ورفاهية الحيوان، والنقل الحضري. في أواخر القرن التاسع عشر، تولت المحركات البخارية مهام السفر لمسافات طويلة بالسكك الحديدية، غير أن تفاصيل الحياة اليومية داخل المراكز الحضرية الكبرى مثل نيويورك، وبوسطن، وشيكاغو كانت تعتمد كلياً على قوة الخيول الفعلية. فكانت الخيول تنقل الركاب عبر عربات الترام، وتنقل البضائع، وتجر معدات إطفاء الحرائق، وتزيل النفايات. وفي مدينة نيويورك وحدها، كان نحو 40 ألف حصان عمل يستهلكون عشرات الملايين من أرطال الشوفان والقش سنوياً، ويخلفون قرابة 1.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم.
اجتاح الوباء البلاد قادماً من كندا متجهاً نحو الجنوب بفترة حضانة تراوحت بين ثلاثة إلى أربعة أيام، وهو ما يعني أن الحيوانات المصابة استمرت في العمل وهي تبدو سليمة معافاة، لتنقل الفيروس دون قصد إلى آلاف الخيول الأخرى المتكدسة في الإسطبلات البلدية. ورغم أن المرض حمل معدل وفيات منخفضاً نسبياً بلغ نحو 3% إلى 4%، إلا أنه كان شديد العدوى على نحو استثنائي، مما أدى إلى تعطيل عدد كافٍ من الحيوانات تسبب في إيقاف التجارة وحركة الحياة المعتادة لأسابيع متتالية في كل مدينة.
يمكن مشاهدة اللقاء وقراءة السبتايتل بالعربية
شكلت حالة الشلل تلك نقطة تحول كبرى في الفهم العلمي؛ إذ كانت المعتقدات الطبية السائدة تنسب المرض إلى "نظرية المياسما"، التي كانت تفترض أن الهواء الفاسد والسام المنبعث من المواد المتحللة هو المتسبب الوحيد في العدوى. ولأن فكرة انتقال المرض بين الأفراد كانت مستبعدة، لم يبذل مسؤولو الإسطبلات أي جهد لعزل الخيول المصابة. لكن في أعقاب تفشي الوباء، جمع الطبيب البيطري جيمس لو وزملاؤه سجلات وبائية شاملة، أثبتت أن انتشار المرض لا يمكن تفسيره إلا بوجود مسببات أمراض حية، وهو ما قدم دعماً تجريبياً حاسماً وواقعياً لنظرية الجراثيم المسببة للأمراض.
وفي الوقت ذاته، دفعت الأزمة بحملات الرفق بالحيوان المبكرة إلى دائرة الضوء والاهتمام العام. ونزل هنري بيرغ وأعضاء الجمعية الأمريكية لمنع القسوة ضد الحيوانات إلى الشوارع لإيقاف عربات الترام، ومنع تشغيل الخيول التي تعاني من السعال وظهور الأعراض، محتجين بأن هذه المخلوقات كائنات حية تستحق الرعاية والحماية القانونية. ورفع هذا الموقف العلني مكانة الجمعية لتصبح مؤسسة وطنية بارزة، وحفز إنشاء جمعيات مماثلة في مدن أخرى، ثم تقاطع لاحقاً مع الجهود الرامية لإنهاء الاستغلال في عمالة الأطفال.
كما كشفت التداعيات الاقتصادية خطورة الاعتماد على كائن حي كمصدر أساسي للطاقة في المدن، مما شجع على ضخ استثمارات مكثفة في البدائل الميكانيكية، مثل خطوط السكك الحديدية البخارية المرتفعة وشبكات مترو الأنفاق في بوسطن ونيويورك. وإلى جانب هذا التقدم المؤسسي، أظهر الوباء جانباً من الانتهازية البشرية، حيث استغل أصحاب الخيول السليمة الوضع وفرضوا أسعاراً باهظة وصلت إلى عشرة أضعاف الأجرة المعتادة لنقل المسافرين العالقين ونقل البضائع المكدسة في الموانئ البحرية.
الكتاب متوفر عبر Amazon UK.
حلقة جديدة من بودكاست العلوم الحقيقية مع زميلنا في العلوم الحقيقية د. محمد فاروق الذي ناقش رسالته مؤخراً في تطبيقات عديدة للحوسبة الكمية يشرح فيها عن مجال الحوسبة الكمية والقضايا التي يتم حلها والعمل عليها حالياً في المجال. ناقشنا بشكل عام اسئلة مثل:
ما هو الفرق بين الحاسوب الكمي والحاسوب الاعتيادي؟ كيف يبدو شكل الحاسوب الكمي وكيف يعمل؟ ما المشاكل التي يتم حلها بالحاسوب الكمي؟ هل سيصبح الحاسوب الكمي حاسوبا شخصيا يوما ما؟ كيف يتم تقديم المدخلات للحاسوب الكمي؟
كيف أثر ظهور الدول على صفات البشر وعلى تغير أمر مثل المساواة التكاثرية؟ وكيف أثرت القدرة على تخزين المواد على نشوء الدول؟ ثم كيف ظهرت النزعة الذكورية التسلطية بأشكال متطرفة جداً بعد الزراعة؟ والسؤال الأهم الذي يناقشه الدكتور رياض عبد في بحثه حول المساواة التكاثرية: كيف تؤثر المساواة التكاثرية على ظهور الأمراض النفسية لدى المجاميع البشرية؟
لمشاهدة اللقاء على اليوتيوب:
عمر: في كتاب أقرأه حالياً بعنوان "لعنة جالوت" (Goliath’s Curse) يتحدث عن أن 5% فقط من البشر عاشوا ضمن دول، وحتى في فترات حديثة عاش البشر بدون دول. كما أن الكتاب يذكر أهمية فائض الإنتاج والموارد القابلة للتخزين في تطور المجتمعات، مشيراً إلى أن بعض المنتجات مثل الموز كانت غير قابلة للتخزين حتى في بعض الإمبراطوريات. سؤالي هو: كمحصلة، هل أصبح تعدد الزوجات أقل أم أكثر بعد الزراعة؟
د. رياض: مرت البشرية بفترات مختلفة. كانت هناك حقبة ما بعد الزراعة لكن قبل الدولة، حيث ظهرت إمكانية هيمنة بعض الرجال على موارد كبيرة وأصبح بإمكانهم احتكار عدد كبير من النساء، وهو ما لم يكن ممكناً قبل الزراعة. ثم بعد نشوء الدولة، حصلت مرحلة أخرى من ظهور رجال استطاعوا الهيمنة على موارد ضخمة.
شكراً على إثارة موضوع التخزين، لأنه من خصائص مجتمعات ما قبل الزراعة أنها لم تكن تمتلك أنظمة تخزين. ما كانوا يجمعونه اليوم كانوا يستهلكونه خلال يوم أو يومين. إذا تم اصطياد فريسة كبيرة، كانت تؤكل خلال أيام قليلة. من هنا تظهر القيمة التطورية للكرم، حيث كان أهم طريقة للاستفادة من فائض اللحم هو إطعام الآخرين، لأن "بطون الآخرين" كانت بمثابة بنك للتوفير، حيث سيطعمونك عندما لا يكون لديك موارد من اللحم. إذا لم يفعلوا ذلك، فإن اللحم سيتلف دون فائدة.
بعد ظهور الزراعة ونشوء الدولة، حصلت فترات كان فيها تمادي في الهيمنة على الموارد واحتكار النساء. لكن يبدو أن هذه كانت مراحل مؤقتة، وعاد النظام البشري إلى طبيعته، وهي أن الغالبية العظمى من الرجال والنساء موجودون في علاقات أحادية – وليس بالضرورة أن تكون مدى الحياة – لكنها علاقات أحادية في أي وقت من الأوقات. إذا أجرينا مسحاً لأي مجتمع، نجد أن حوالي 80% من الأفراد في علاقات أحادية. هذا يعني أن التباين التكاثري، رغم اختلافه في بعض الحقب، بقي أقل منه عند الشمبانزي أو الغوريلا، حتى مع وجود تلك الظواهر الاستثنائية.
عمر: نقطة أخرى قد لا تكون غطيتها بشكل كاف، وهي العلاقة بين المساواة التكاثرية والمساواة المجتمعية. إذا كان هناك ناشط لحقوق الرجل أو المرأة عند الشمبانزي، فكيف سيرون واقعهم بالمقارنة مع البشر؟
د. رياض: هناك موضوعان هنا: موضوع الخصائص الجوهرية للنظام التكاثري البشري، وموضوع الوضع المجتمعي بعد الزراعة وبعد الدولة. الخصائص الجوهرية للنظام التكاثري البشري تتسم بمساواة عالية، وتعتمد على وجود رابط بين المرأة والرجل، حيث يستثمر الرجل وقته وإمكانياته في إعالة المرأة المرتبطة به وأطفالها.
هذا يعني أنه يهتم بمعرفة "أبوة" أطفاله، أي في التأكد بأنهم من نسله. هذا المفهوم – الاهتمام بالنسب – غير موجود في الأصناف التي لا يوجد فيها رابط ثابت بين الذكر والأنثى. على سبيل المثال، ذكر الشمبانزي قد يشاهد الأنثى التي تزاوج معها قبل ساعة تتزاوج مع ذكر آخر، وهو لا يمانع ذلك. المسألة ليست أنه يتوقع أن يحتكر التزاوج مع أي أنثى، بل هو فقط يحاول أن يحتكر فترة زمنية من فرص التزاوج، أو أن يكون الأول في التزاوج. لكن ليس له أي رابط أو مسؤولية تجاه الوليد، فهو لا علاقة له به.
هذا ليس الحال عند البشر. عندما يكون هناك رابط بين رجل وامرأة – والزواج هو ظاهرة بشرية عامة في كافة المجتمعات، رغم اختلاف أشكاله – فإن هذا يولد عاطفة "الغيرة الجنسية". الغيرة الجنسية هي عاطفة بشرية هدفها الأساسي التأكد من أن الطفل من نسل الرجل. يمكن أن تكون الغيرة من الطرفين، لكن هدفها مختلف. هدف غيرة الرجل الجنسية هو التأكد من أن الأطفال من نسله. بينما هدف غيرة المرأة هو ضمان أن جهود وإمكانيات الرجل تتركز في مصلحتها ومصلحة أطفالها، وليس لمصلحة امرأة أخرى. في بعض المجتمعات التي يقبل فيها تعدد الزوجات، قد ترضى المرأة بالأمر الواقع أو تنفصل.
بعد نشوء الزراعة والدولة، ومع إمكانية هيمنة بعض الرجال على موارد ضخمة، ظهرت "ذكورية مفرطة" وتسلط ذكوري. هذه الذكورية المتطرفة – مثل فرض قيود على حريات المرأة – هي ظاهرة ما بعد الزراعة وليست سابقة لها. هذه الممارسات تسلطية تدعمها سلطة الدولة والقانون. قبل الزراعة، لم تكن مثل هذه الهيمنة المفرطة ممكنة. عندما أتحدث عن الزراعة، فأنا أقصد أيضاً تربية الحيوانات، فبدو الرعي هم أيضاً من مجتمعات ما بعد الزراعة لأن حياتهم تعتمد على تربية المواشي، أي تسخير كائن آخر لتوفير الغذاء للإنسان.
عمر: يعني بالحديث عن النزعة الذكورية التسلطية، يمكننا القول إن شخصاً مثل صدام حسين أو ستالين يتفوق في تسلطه على أي حيوان، لأنه لم يتسلط فقط على نساء مجموعة، بل على الرجال وعلى رقاب الناس وكان لديه سجون.
د. رياض: هذه من خصائص الدولة. يمكن القول إن الدولة نشأت من هيمنة نخبة على الأغلبية، وهذا ما لم يكن ممكناً قبل الزراعة.
قبل الزراعة، لم تكن هناك إمكانية لبناء دولة، لأن الهيمنة تتطلب أن تتمكن النخبة من السيطرة على الموارد أولاً. الدولة لا تبنى على فراغ. فوجود جيش أو كهنوت يحتاج إلى مكافآت ونظام للثواب والعقاب، وهذا بدوره يحتاج إلى موارد. قبل الزراعة، لم يكن بمقدور شخص واحد أن يهيمن على موارد تمكنه من منح ثواب للآخرين كي يطيعوا أوامره. يمكن أن يكون كريماً، لكن كرمه سيكون محدود المدى لأنه لا يملك موارد غير محدودة. بينما بعد الزراعة، أصبحت الفوارق في الموارد كبيرة نسبياً.
عمر: يعني دكتور، ألخص كلامكم بأن المساواة بين الجنسين هي جزء من صورة المساواة بشكل عام. فإذا كانت هناك سلطة دكتاتورية في بلد ما، كما في حالة فرانكو في إسبانيا، نجد أنه فرض قيوداً على النساء أيضاً. وبالتالي، إذا زادت المساواة بشكل عام، فستنعكس إيجاباً على المساواة بين الرجل والمرأة. هل ممكن قول ذلك؟
د. رياض: هذه تفريعات مما حصل بعد نشوء الدولة. بعد نشوء الدولة حصلت تغيرات كثيرة، لكن هذا لم يؤثر على السياق العام لموضوع التكاثر البشري. السياق العام يبقى أن منظومة التكاثر البشري هي منظومة مساواتية، لأن كلفة وصعوبة تربية طفل بشري واحد من الولادة إلى الاستقلال كبيرة جداً، وهي أكثر مما تستطيع امرأة واحدة تحمله بمفردها.
الشمبانزي الأنثى أو الغوريلا الأنثى تربي طفلها من الولادة بمفردها دون أي مشكلة، لأن الكلفة الغذائية وغيرها منخفضة ومتوفرة وليست صعبة المنال. بالنسبة للغوريلا، طعامها هو أوراق الأشجار المتوفرة في كل مكان. لكن عند البشر، الكلفة عالية جداً من ناحية الجهد المطلوب.
عمر: دكتور، ذكرتم النقد وذكرتم تقسيم العمل بين الجنسين. نأتي إلى فترة ما بعد النقد والزراعة، أي القرن التاسع عشر مع ظهور الآلات ومن ثم التكنولوجيا. بطبيعة الحال، التوزيع الجنسي للعمل تغير بفعل التكنولوجيا والأدوار في المجتمع، ناهيك عن أن تنوع المجتمع من حيث الخصائص أصبح أكبر. هل يمكن أن نقول إن أموراً مثل هذه يمكن أن تزيد من المساواة التكاثرية بين البشر مع ظهور الآلات والتكنولوجيا؟
د. رياض: طبعاً، ما بعد الثورة الصناعية والتحضر وانتشار المدن – حيث يعيش الآن غالبية البشر في المدن، وهو شيء غير مسبوق – هذا الاتجاه يتوافق في رأيي مع الطبيعة البشرية الأساسية. أعني الطبيعة البشرية كما نعرفها من عصور ما قبل الزراعة، حيث كانت الفوارق الحقوقية بين الرجل والمرأة قليلة وليست كثيرة. هذه الفوارق زادت جداً بعد ظهور الزراعة، وزادت أكثر بكثير بعد ظهور الدولة.
دعني أتحدث قليلاً عن تبعات هذه النظرية على الطب النفسي. هذه مجدداً افتراضات من عندي، وإيجاد أدلة عليها سيكون صعباً جداً. لكنني أفترض أنه بسبب المساواة العالية والتباين المنخفض في النجاح التكاثري، ولأن السمات السلوكية تنتقل إلى الأجيال الأخرى عند البشر بشكل أكبر من الأصناف الأخرى، فإن هذا يؤدي إلى تباين أكبر في السمات الشخصية.
أفترض أن هذا يجعل البشر أكثر عرضة من الأصناف الأخرى من الحيوانات للأمراض النفسية. لماذا؟ لأنه عندما يزيد مدى التباين في السمات (مما يمكن تمثيله بمنحنى الجرس الإحصائي). الأفراد الموجودون في هذه الأطراف المتطرفة هم الأكثر عرضة للإصابة بحالات نفسية غير متكيفة مع البيئة المحيطة. بمعنى آخر، الحالات التي تواجه صعوبة في التكيف ستزداد بسبب كون التوزيع الإحصائي للسمات الشخصية أعرض عند الإنسان مقارنة بالحيوانات الأخرى التي لديها نظام تباين مختلف.
هذا الافتراض يشكل جوهر النظرية التي أحاول إثباتها، وهو مهم جداً لفهم سؤال جوهري: هل البشر معرضون للأمراض النفسية أكثر من غيرهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ هذه النظرية تقدم إطاراً للإجابة على هذا السؤال، أو على الأقل تقدم جزءاً من الجواب.
من الواضح أن هناك العديد من الأمراض العقلية والنفسية، مثل الفصام أو التوحد أو اضطرابات الطعام أو اضطرابات الشخصية أو الإدمان، التي لا نجد ما يعادلها بوضوح في الحيوانات الأخرى. حتى القلق والاكتئاب، رغم وجود سلوكيات قد تشبههما عند الحيوانات، فإنه من المشكوك فيه أن تكون متماثلة تماماً مع ما يعانيه البشر. فالسؤال "لماذا؟" يبقى قائماً، وهذه النظرية تقدم مدخلاً لدراسة هذه المعضلة المتعلقة بالطبيعة البشرية الفريدة.
عمر: دكتور، قد يتساءل البعض عن إمكانية دراسة هذه الفرضيات من خلال مقارنة المجتمعات ذات التباين التكاثري المرتفع والمنخفض. على سبيل المثال، مقارنة قبائل صغيرة لا تمارس تعدد الزوجات مع مدن أوروبية كبيرة. فهل توصلتم أو حاولتم البحث في هذا الاتجاه؟
د. رياض: مقارنة مجتمعات بشرية صغيرة بمجتمعات كبيرة الحجم موضوع شاق. المجتمعات الصغيرة لا توفر عينة كافية لرصد حالات الأمراض النفسية النادرة، مثل الفصام الذي تبلغ نسبته حوالي 1% أو أقل. وهكذا الحال مع حالات الانتحار - فمثلاً في بريطانيا تحدث 10 حالات انتحار لكل 100,000 شخص سنوياً، وفي العراق 2-3 حالة انتحار لكل 100,000 نسمة - دراسة مجتمعات صغيرة بعدد 200-500 أو حتى 1000 شخص لا يمكن أن تعطي نتائج ذات دلالة إحصائية في حالات نادرة كهذه.
مع ذلك، من الممكن نظرياً دراسة الفروق في السمات الشخصية في مجتمعات ذات تعدد زوجات عالٍ مقارنة بمجتمعات ذات علاقات أحادية (حيث أكثر من 80% من العلاقات أحادية). نظريتي تتوقع أن المجتمعات ذات نسبة عالية من تعدد الزوجات ونسبة عالية من الرجال الذين لا ينجبون - لأنه إذا احتكر رجل واحد عدداً كبيراً من النساء، فسيكون هناك رجال بدون زواج - سيكون لديها تباين تكاثري مرتفع، وبالتالي تباين أقل في السمات الشخصية والسيكولوجية.
لكن هذا يتطلب أن يكون نظام تعدد الزوجات مستمراً لأجيال عديدة وليس لجيل أو جيلين فقط، حتى يكون له تأثير على "المجمع الجيني" (Gene Pool). من الناحية النظرية ممكن إجراء دراسة كهذه إذا وُجد مجتمع كهذا، لكنه صعب عملياً. ربما في المستقبل، مع تقدمنا في فهم الجينات وربطها بالسمات السلوكية، يمكن اختبار هذه الفرضيات.
الاختلاف الشكلي بين الجنسين
عمر: سؤال آخر: من خلال الدراسة، هل صحيح أن التشابه الشكلي بين الرجل والمرأة عند البشر أكبر منه في الكائنات الأخرى؟ وهل البشر هم الأكثر تشابهاً من هذه الناحية؟ وما هي ميزات هذا التشابه؟
د. رياض: نعم، هذا صحيح. هناك مفهوم تقني يسمى "الاختلاف الشكلي بين الجنسين" (Sexual Dimorphism). عند مقارنة البشر مع القردة العليا الأقرب لنا، نجد أن الاختلاف في الحجم والهيكل بين الذكر والأنثى عند البشر أقل وضوحاً.
يُقاس "الاختلاف الشكلي بين الجنسين" (Sexual Dimorphism) عادة بمقارنة متوسط وزن وقامة الذكور بمتوسط وزن وقامة الإناث. إذا فحصنا ذكر الغوريلا المهيمن (Silverback)، نجد أن حجمه ووزنه وطوله تبلغ اكثر من ضعف حجم الأنثى، لدرجة أن المرء قد يظن أنهم ينتمون إلى فصائل م
ذكرتم ان المريخ كان يصلح للحياة قبل مليار سنة او نحو مليار سنة، لكن هل كانت هناك حياة ام لا حسب الادلة التي جمعت من خلال جميع الرحلات التي ذهبت الى المريخ؟
(للقراءة او المشاهدة او الاستماع للجزء الأول يمكن مراجعة الرابط)
حتى الان لم يكن هناك بحوث كافية او ادلة كافية للإجابة عن هذا السؤال. قضية وجود الحياة هي قضية معقدة ايضا. عندما نتحدث عن الحياة على المريخ، فهل هي حياة بدائية جدا على مستوى الخلايا، ام هل وجدت مستحاثات بسيطة تدل عليها؟ هذا ما اقوله: لا توجد مستحاثات. تذكر انه على الارض، حتى تجد مستحاثات معينة، يجب ان تفحص الارض وتعرف اين تذهب، فهي ليست موجودة في كل مكان. بعدما وصلنا الى هذه المرحلة، لكن في الاسبوع الماضي، قبل ايام، كان هناك خبر انهم وجدوا اثار حياة على المريخ او ادلة اولية لآثار حياة. فهل هي اثار حياة ام ظاهرة طبيعية لا علاقة لها بالحياة؟ هذا يحتاج وقتا لدراسته.
هذا هو سبب تركيز وكالات الفضاء العالمية، الامريكية والاوروبية والصينية والهندية واليابانية. اقصده، لاحظ انني لا اذكر الشرق الأوسط، فنحن خارج هذه اللعبة. تركيزها على المريخ، فيجب دراسة المريخ اكثر وبشكل ادق حتى اذا وجدت عليه حياة، نقدم شيئا اخر للناس الذين يأتون اليه على الاقل.
عندما كان كلينتون رئيسا لأمريكا، تم اكتشاف صخرة او الاعلان عن اكتشاف اثار ما يشبه الدودة، الدودة الصغيرة في قلب صخرة مصدرها المريخ. المريخ بين فترة واخرى تصل صخور منه – نادرا لكنها تصلنا. كيف تصلنا؟ اذا سقط على المريخ نيزك، فتنطلق منه صخور الى الفضاء وجزء صغير منها جدا يصلنا، أي يصل الارض. فهناك عدة صخور لا نعرف مصدرها من المريخ، ففي واحدة من هذه الصخور وجدوا حياة مجهرية تشبه الدود. وفي ذلك الوقت كان الاقتراح ان هذه ظاهرة حياة. بعد الدراسات هناك خلاف على هذا الموضوع، على الاغلب ان هذه ليست كائنات حية وانما ظاهرة طبيعية لا علاقة لها بالحياة.
فحتى نتأكد من ان ما تفحصه او ما ترصده هو مصدر حياة سابقة، فالقصة طويلة، وليست سهلة، خاصة لأننا لا نتحدث عن كائنات كبيرة تحتوي على هيكل عظمي وما الى ذلك. نحن نتحدث عن بكتيريا، وكائنات وحيدة الخلية وما الى ذلك التي لا تحتوي على بناء مورفولوجي معين من حيث الشكل والمظهر، فلا يمكنك ان تقول ان هذه حياة وانتهى الامر. فالأمر اعقد مما نتصوره. لكن هناك بحوث وجهود حثيثة للبحث في وجود هذه الامور، لأنه مهم اذا عرفنا اصل الحياة على الارض من نشأة وما الى ذلك.
رابط شراء كتاب عوالم لا حصر لها من موقع نيل وفرات
دكتور، كنت ارغب في سؤال ربما غطيتموه تقريبا، وهو الحياة كظاهرة طبيعية. لكن ما معنى ذلك؟ وايضا اود الانتقال لأمر اخر قرأته ويجذب اهتمامي، وهو النظرة الفيزيائية المحضة للحياة. مثلا قضايا مثل التخلص من الانتروبيا عبر التكاثر، والاساس الفيزيائي للحياة. ولا ادري ان كان هذا يتصل مع مفهوم الحياة كظاهرة طبيعية او مع امر اخر ايضا ذكرتموه ربما في سياق مقارب، وهو مشكلة ضبط الثوابت الدقيقة (the fine-tuning problem). فهذه كلها قضايا اراها مثيرة للاهتمام، واكيد انتم اعلم بكيف يمكن تغطيتها وان كانت متصلة ام لا.
دعني أبدأ من النقطة الأولى لأتوسع في فكرة قلتُها: "الحياة ظاهرة طبيعية". أولاً، عندما نذهب إلى الطبيب سواء كنا مرضى أم لا، فإن الطبيب يتعامل مع الجسد في النهاية على أنه مادة كيميائية، أقصد تفاعلاتٍ كيميائية. فحياتنا مبنية على هذا الأساس. عندما نصاب بالصداع نتناول الأسبرين لأنه يحدث تفاعلٌ كيميائي يوقف الصداع. وإذا كان ضغطنا مرتفعاً نتناول مادة كيميائية تخفض ضغط الدم، وهكذا. هذا هو المبدأ الأساسي في الطب، فهو يتعامل مع الجسد كآلة، كشيء طبيعي، لا يتعامل معه على أنه روح فحسب، بل يتعامل معه كجهاز يعمل، وأحياناً يتعطل، وأحياناً يزداد الحمل عليه، وأحياناً تختل مواده. هذا بالطبع على المستوى الأولي.
بالإضافة إلى ذلك، إذا نظرنا إلى تاريخ الحياة، نجد أن الحياة كما ذكرت ظهرت مبكراً جداً. فعمر الأرض يقدر بـ 4.5 مليار سنة، وفي اللحظات الأولى من أول 500 مليون سنة كانت الأرض ساخنة، وشهدت أحداثاً دراماتيكية مذهلة. على سبيل المثال، في بدايتها وخلال أول 10 إلى 20 مليون سنة، اصطدم بها جسمٌ كبير – أقصد أن هذا الاصطدام أدى عملياً إلى تشطير الأرض، فانفصل عنها جزء كبير تحول إلى القمر. فالقمر في تاريخه جزء من الأرض، ونعلم هذا من تركيبه الكيميائي وكذلك من حجمه. فالقمر كبير بشكل ملحوظ، أقصد كبير نسبياً مقارنة بحجم الأرض. فهناك أقمار أخرى تكون أصغر حجماً مقارنة بكواكبها، لكن المشتري كبير جداً – أكبر من الأرض بألف مرة – بينما يعتبر القمر بالنسبة للأرض جسماً كبيراً بشكل غير عادي. والسبب في وجوده هو تلك العملية الاصطدامية التي يبدو أنها حدثت في بداية تكوين الأرض. لذا لم يكن من الممكن وجود حياة في تلك الفترة المبكرة.
من الخصائص الأخرى للأرض المبكرة أنها لم تكن تحتوي على ماء. فالماء لم ينشأ مع الأرض، ونحن نعرف لماذا؟ لأنه أثناء عملية النشوء كانت الحرارة مرتفعة جداً ونحن قريبون من الشمس، فكان الماء يتبخر قبل تكون الأرض. فالماء الموجود – أقصد في المنطقة القريبة من الشمس – كان سيكون في حالة تبخر، بينما في المناطق البعيدة يكون متجمداً. هذه المنطقة تسمى "خط الجليد"، وبالنسبة للشمس فإن هذا الخط يقع بعيداً عنها، أما نحن فكنا في الداخل حيث لا وجود للماء بشكل طبيعي. لذلك عندما تشكلت الأرض لم يكن عليها ماء. كان على الماء أن يأتي من مكان آخر، ونحن نعلم تقريباً – بل نحن شبه متأكدين – من مصدر هذا الماء: لقد جاء من النيازك.
في مرحلة محددة من تاريخ الأرض، حدثت تصادمات هائلة مع نيازك جلبت المياه إليها. استمرت هذه المرحلة بضع مئات من ملايين السنين، وتُعرف بالإنجليزية باسم "Late Heavy Bombardment"، أي القصف المتأخر، حيث تعرضت الأرض لاصطدامات نيزكية مكثفة.
كانت هناك فرضية أخرى تشير إلى أن المياه قد تكون جاءت عبر المذنبات، لكن المعرفة الحالية تؤكد أن مصدرها الأساسي هو النيازك، وذلك due to اختلاف التركيب الكيميائي للماء - لأسباب علمية لا يتسع المجال لشرحها هنا.
عندما بردت الأرض - بعد حوالي أربعمائة إلى خمسمائة مليون سنة من توقف تلك الظروف العنيفة والاصطدامات واستقرار الوضع - نشأت الحياة. فأول دليل على وجود الحياة يعود إلى 3.7 مليار سنة، بينما يعتقد الكثيرون أن أشكال الحياة الأولى ظهرت قبل أربعة مليارات سنة.
في اللحظة التي أتيحت فيها للأرض فرصة لنشوء الحياة، ظهرت الحياة عليها. وهذا أمر مدهش حقاً. ما يعنيه هذا أن تكوّن الحياة ليس أمراً صعباً، بل هو ليس معقداً بشكل جنوني.
سأعطيك سبباً آخر لقولي هذا: عندما ننظر إلى مركبات الحياة الأساسية، نجد بالطبع عناصر مثل الكربون والهيدروجين والنيتروجين وغيرها كما ذكرنا، لكن هناك أيضاً مركبات كيميائية خاصة بالحياة. هناك أربعة أنواع من هذه المركبات المعقدة، جزيئات معقدة هي: البروتينات، والدهون (التي تسمى Lipids)، والنيوكليوتيدات التي تكوّن الأحماض النووية مثل DNA، والسكريات.
عندما ن الفضاء، نجد آثار هذه المركبات. ففي الكون الواسع، عند انفجار النجوم وغيرها، نرى جزيئات عضوية معقدة موجودة في الفضاء. منها الأدينين - وهو أحد المركبات الأساسية في DNA - الموجود في الفضاء ويمكن رصده. كما توجد نيازك من النوع المعروف باسم "الكربونية" التي تتكون principalmente من الكربون، ويمكننا دراستها وتحليل تركيبها الكيميائي.
ففي المغرب، على سبيل المثال، عُثر على نيزك شهير من هذا النوع (وفي تونس أيضاً)، وأظهر التحليل الكيميائي للصخرة النيزكية احتواءها على مواد عضوية تتضمن الأدينين والأحماض الأمينية التي هي مركبات البروتينات وغيرها. فالكون يصنع لبنات الحياة في كل مكان، ونجد هذه اللبنات منتشرة في كل مكان.
وهذا ما اكتشفه شخص آخر - أحب أن أذكره في سياق مختلف - وهو تجربة "ميلر"، التي يمكننا العودة إليها لاحقاً ومناقشتها بتفصيل. عندما نعيد في المختبر محاكاة الظروف التي كانت سائدة على الأرض في بداياتها، بما في ذلك تركيب الغلاف الجوي المبكر، ونضيف شرارات كهربائية البرق وخلط المواد - كما نتوقع أن يكون الحال في الغلاف الجوي الأول للأرض - تنتج أيضاً مواد عضوية، منها الأدينين ومركبات أخرى مشابهة، بالإضافة إلى المواد البروتينية وغيرها. إنها نتيجة مذهلة حقاً.
يبدو واضحاً أن مركبات الحياة منتشرة في جميع أنحاء الكون. هذا لا يعني أن هذه المركبات تتحول تلقائياً إلى حياة، لكن الأرض تمثل مثالاً حياً: فما أن استقرت وبردت حتى بدأت الحياة بالظهور عليها. والحياة التي نشأت على الأرض كانت بالطبع بدائية، تتألف من كائنات وحيدة الخلية. أما الكائنات المعقدة، ما نسميه متعددة الخلايا، فقد نشأت فقط قبل 500 إلى 600 مليون سنة، أي أنها لم تكن موجودة منذ البداية.
معظم أشكال الحياة عبر التاريخ الجيولوجي كانت وحيدة الخلية، وليست معقدة. بل إن معظمها لم يكن حتى من نوع الخلايا المشابهة لخلايانا، بل كانت من نوع آخر يسمى "بدائيات النوى"، بينما تسمى خلايانا "حقيقيات النوى". فالبكتيريا مثلاً خلاياها تفتقر إلى نواة محددة. والحياة على الأرض خلال معظم تاريخها كانت من هذا النوع البسيط.
هنا تكمن إجابة سؤالك: لماذا أعتقد أن الحياة ظاهرة طبيعية؟ لأننا نراها تتسم بتنوع هائل، وتتكيف مع بيئاتها وشروطها المختلفة، ولها تاريخ محدد نعرفه بدقة. والأمر المذهل أيضاً أن جميع أشكال الحياة تعتمد على الهيكل الأساسي نفسه: الخلية والـ DNA والعناصر نفسها. فأنا والبكتيريا لدينا DNA. إنها حقيقة مدهشة: فأنا لست مختلفاً كلياً عن البكتيريا. فالكائنات المعقدة - من حيث سلوكنا وإدراكنا ولغتنا ووعينا وذكائنا - تشترك في الأساس الكيميائي والهيكل الخلوي المتشابه. حتى الآثار البكتيرية في خلايانا، مثل الميتوكوندريا التي تحمل DNA خاصاً بها، تظل شاهداً على تاريخ تطور الخلايا المعقدة في الحياة.
فلذلك أتعامل مع الحياة كظاهرة طبيعية. الحياة، الوعي، المدركة التي تفكر، التي تتعامل، التي تتساءل عن موجودة في الكون، ظهرت مؤخراً، ليست ظاهرة من بداية الكون. فهذا الجواب لهذا السؤال.
لقد استبقتُ الأمور بالسؤال الثاني حول الإنتروبيا. لكن لعل الفارق الجوهري بيني وبين البكتيريا يكمن في مسألة التعقيد. لقد تطرقتم في الكتاب بشكل موسع إلى مفهومي التعقيد والإنتروبيا، وقد جئتُ بالمثال الذي أمامنا: كيف نفسر عملية حيوية مثل التكاثر على أنها آلية للتخلص من الإنتروبيا؟ بكلمات أخرى، كيف يمكننا فهم الظواهر الحية من منظور فيزيائي بهذه الطريقة؟
وما الذي يحدث على مستوى التعقيد؟ ولماذا بقيت البكتيريا على حالها بينما استمر هذا التعقيد بالتطور في اتجاه آخر؟ فتطورت إلى كائنات متعددة الخلايا، ثم ظهر التكاثر الجنسي، وصولاً إلى ظهور الذكاء لاحقاً. وكل هذه العمليات تبدو بشكل أو بآخر مرتبطة بمفهوم التعقيد، هذا صحيح.
دعوني أوضح أولاً نقطة قد لا تكون واضحة للجميع. سأعرّف الإنتروبيا، وعندما أتناول هذا الفرع سأشرح للمستمع ما نقصده عندما نتحدث عن الإنتروبيا. ولكن قبل ذلك، يجب أن أشير إلى أن حتى الخلية البكتيرية - وقد تطرقتُ للفرق بيننا وبينها من حيث التعقيد - هي في الواقع معقدة بشكل هائل. فالبكتيريا، على سبيل المثال، تتكاثر عبر انقسام الخلية إلى قسمين. أي أن الخلية البكتيرية الواحدة تنقسم لتصبح خليتين مستقلتين. هذه آلية تكاثر تختلف عن تلك الموجودة في الكائنات الأكثر تعقيداً.
السؤال المهم هو: كيف تتمكن البكتيريا عند تكاثرها من الحفاظ على المعلومات الموجودة داخلها؟ هذا المستوى من التعقيد والتنظيم ليس أمراً يسيراً. وهنا نصل إلى نقطة مشتركة بين جميع أشكال الحياة - فالتعقيد سمة عامة لكل مظاهر الحياة. حتى البكتيريا تمثل نظاماً معقداً للغاية. وهنا تبرز الملاحظة الأولى - صحيح أننا أكثر تعقيداً منها - لكن إشكالية التعقيد تطرح نفسها حتى مع البكتيريا. فما علاقة هذا بقوانين الفيزياء؟
أريد أن أناقش مسألتين....
يشرح د. رياض عبد نظريته حول المساواة التكاثرية لدى البشر والعلاقة بينها وبين صفاتنا الشخصية وكيف تؤثر نسبة من يستطيعون التزاوج في صنف أحيائي معين كالبشر على نواحي عديدة في السلوك. يشرح د. رياض عبد أيضاً التباين التكاثري وأثر التباين الناتج في الصفات وفي الشخصية على أمور مثل تقسيم العمل لدى البشر. وأخيراً في هذا الجزء يناقش اثر تعدد الزوجات في المساواة التكاثرية لدى البشر. فيما يلي نص الجزء الأول من اللقاء.
أعزائي المستمعين، مرحباً بكم في حلقة جديدة من بودكاست "العلوم الحقيقية". معي في هذه الحلقة الطبيب النفسي والباحث في الطب النفسي التطوري، وضيفنا للمرة الثانية، د. رياض عبد. أهلاً وسهلاً بك دكتور.
أهلاً وسهلاً، وشكراً على الاستضافة أستاذ عمر. لكن دعني أذكرك أن هذه استضافتي الثالثة وليست الثانية.
نعم، لأن البودكاست السابق عرفناه بلقاء واحد، لكننا نشرناه في حلقتين. ونأمل أن تكون هذه الحلقة أيضاً من جزأين لإثراء المحتوى العربي، خاصة في مجال الطب النفسي والطب النفسي التطوري بشكل عام.
ستناقش هذه الحلقة نظرية جديدة طرحها د. رياض عبد بناءً على بعض الأبحاث والقراءات، وهي حول ما يُعرف بـ "المساواة التكاثرية لدى الإنسان" (reproductive egalitarianism) وتأثيراتها على نفسية الإنسان والمجتمعات وتركيبتها، وإمكانية التعرض للأمراض النفسية. لذا، سؤالي الأول لك دكتور قد يدور حول هذا المصطلح نفسه وما يعنيه، فقد يكون غامضاً بالنسبة للمستمع: ما هي المساواة التكاثرية؟
شكراً جزيلاً مرة أخرى. في البداية، أريد أن أنبه المستمعين إلى أن استخدام المصطلحات العربية في هذا الموضوع سيكون فيه بعض الإشكاليات والصعوبات. لذلك أرجو من المستمع أو المشاهد أن يدرك هذا الأمر. ما سأفعله هو أنني سأذكر المصطلح بالإنجليزية قدر الإمكان مع مرادفات عربية، لأنه في كثير من الأحيان لن تكون هناك مصطلحات عربية متداولة في هذا المجال. ولكن أتمنى أنه بمرور الوقت، تتطور الأدبيات العلمية العربية لتطوير المصطلحات في مجالات الأنثروبولوجيا وعلوم النفس وغيرها.
رابط الاستماع على سبوتيفاي
رابط الاستماع على ابل بودكاست
ما هي المساواة التكاثرية؟
النظرية التي نتناولها اليوم تسمى بالإنجليزية "Human Reproductive Egalitarianism" المساواة التكاثرية لدى الإنسان. وهي تشير إلى خصائص المنظومة التكاثرية البشرية التي تتسم بطابع مساواتي بشكل عام، وليس فقط بين الجنسين. بشكل عام، المنظومة التكاثرية البشرية تتميز بمساواة أكثر وضوحاً من أي صنف حيواني آخر. وبطبيعة الحال، وعندما يأخذ المرء موقفاً داروينياً، فإنه يعتبر البشر جزء من المنظومة الأحيائية العامة على الكرة الأرضية وليسوا منفصلين عنها. لذا، عندما ينظر المرء إلى البشر ضمن المنظومة الأحيائية عموماً، يصبح لديه مجالاً للمقارنة بين خصائص التكاثر عند البشر مقارنة بالأصناف الأحيائية الأخرى، وخصوصاً الثدييات، لأننا ننتمي إلى صنف الرئيسيات، وتحديداً إلى القردة العليا.
القردة العليا هي أربعة أصناف فقط: الأورانغوتان الذي يعيش في آسيا، والغوريلا الذي يعيش في أفريقيا، والشمبانزي (وهناك صنفان: الشمبانزي والبانوبو)، والبشر. عند مقارنة البشر ومنظومتهم التكاثرية مع القردة العليا والرئيسيات والثدييات عموماً، نجد أن هناك ظاهرة مساواتية واضحة أكثر من أي صنف أحيائي آخر. وهذا لا ينطبق فقط على العلاقة بين الجنسين، وإنما بشكل عام. دعني أوضح هذه الفكرة.
لغير المختصين، قد يتخيلون أن المنظومة التكاثرية عند الحيوانات أو الأصناف الأحيائية الأخرى هي عبارة عن فوضى، ولكنها ليست بهذا الشكل. كل صنف أحيائي له منظومته التكاثرية الخاصة، وهذه المنظومة تشمل عموم ذلك الصنف الحيواني. على سبيل المثال، إذا أخذنا الشمبانزي، وهو أقرب فصيل من القردة العليا إلى البشر (حيث أن لدينا أصل مشترك مع الشمبانزي قبل حوالي سبعة إلى ثمانية ملايين سنة)، نجد أن منظومته التكاثرية لا تحتوي على علاقة أو رابط بين ذكر وأنثى معينين. التكاثر عند الشمبانزي يقوم على الذكر المهيمن (Alpha Male)، وهو أقوى ذكر في المجموعة، الذي يحاول استغلال موقعه للتكاثر مع أكبر عدد من الإناث اللواتي يكونن في فترة الخصوبة، وهي فترة قصيرة. نتيجة لذلك، الذكر المهيمن هو أب لحوالي 30% إلى 50% من الولادات. هذه نسبة هائلة، وليس هناك رابط بين أنثى معينة وذكر معين.
أما عند الغوريلا، التي كان لدينا أصل مشترك معها قبل حوالي 10 إلى 11 مليون سنة، فهناك نظام تكاثري مختلف، حيث يوجد ذكر واحد مهيمن على مجموعة من الإناث يعشن معه، وهذا الذكر يحتكر التكاثر مع هذه الإناث. أن غالبية ذكور الغوريلا لا تُتاح لهم الفرصة للتكاثر إطلاقاً، فيبقون بدون أبناء لأجيال قادمة، مما يعني أن جينات هؤلاء الذكور "الفاشلين تكاثرياً" تُستبعد من "المجمع الجيني" (Gene Pool)، أي مجموعة الجينات في صنف أحيائي معين.
قارن ذلك مع البشر. النظام التكاثري أو المنظومة التكاثرية عند البشر تعتمد على وجود رابط، وهو ما يُعرف بـ "الرابط الزوجي" (Pair Bond)، بين أنثى معينة وذكر معين. بالطبع هناك اختلافات تعتمد على الثقافة والمجتمع، ولكن هذه الخاصية - أي وجود رابط بين رجل وامرأة - موجودة. للرجل عادة مسؤوليات تجاه الأطفال الناتجين عن هذه العلاقة، مثل توفير الحماية والغذاء أو مساعدة المرأة أو الأم في تأمين الغذاء. هذه المسؤوليات تختلف باختلاف المجتمع والظروف، لكنها موجودة بشكل عام. على سبيل المثال، في مجتمعات الصيد وجمع الثمار، كان دور الرجل يتركز في الصيد وتأمين اللحم، الذي له قيمة غذائية عالية جداً مقارنة بالنباتات.
عمر: دكتور، أردت أن أسأل سؤالاً قد يكون خارج السياق، لكنك ربما متجه إليه أصلاً. السؤال حول العلاقة بين نفسية الإنسان وعقل الشمبانزي. لقد لاحظت أن ذكور الشمبانزي فرصتهم في التكاثر أفضل قليلاً من الغوريلا، بينما الإنسان فرصته أفضل بكثير. وأذكر من كتاب "لماذا الجنس متعة" - الذي ترجمه أحد أعضاء "العلوم الحقيقية" - أنه لو كان هناك كلب يراقب البشر وينظر إلى سلوكهم الجنسي، لرآه فاحشاً أو مبالغاً فيه، بل وهو سلوك للمتعة. فالسؤال هو: هل نحن نتحلى بصفات معينة أدت إلى سلوكنا هذا، أم أن سلوكنا وواقعنا ككائنات ذات عقل معين هو ما جعلنا نتصرف بشكل مساواتي؟
د. رياض: العلاقة بين تشكيل الصفات السيكولوجية والنظام التكاثري والمجتمعي هي علاقة ديالكتيكية، أي علاقة ديناميكية ومتبادلة. ليس بالإمكان أن نحدد بالضبط السبب والنتيجة، لأن السبب والنتيجة في حالة تفاعل مستمر. علينا أن نتذكر أننا كداروينيين وتطوريين نفكر بمنطق مئات أو آلاف الأجيال. فخلال هذه الفترة الطويلة، تتشكل الصفات السيكولوجية والسلوكية والمجتمعية والتكاثرية من خلال تفاعل هذه العوامل المتعددة.
التباين التكاثري
سوف أعود إلى وصف النظرية. من خلال فهم الفروقات بين البشر والأصناف الحيوانية الأخرى القريبة منا وغير القريبة، نجد أن "التباين التكاثري" (Reproductive Skew) عند البشر هو الأدنى. والتباين التكاثري مفهوم جوهري وأساسي لفهم الداروينية وآلية التطور، لأن التطور يعتمد بالأساس على النجاح التكاثري. فبدون نجاح تكاثري، لا يمكن للصفات أن تنتقل إلى الأجيال القادمة. على سبيل المثال، الأفراد الذين لم يكن لهم أطفال عبر آلاف السنين - لأي سبب كان - اختفت صفاتهم من الجنس البشري، بينما انتشرت صفات أولئك الذين كان لديهم أطفال كثيرون.
الدراسات تشير إلى أن التباين التكاثري عند البشر هو الأقل بين جميع أصناف الثدييات. هذا أمر يجب الوقوف عنده والتساؤل عن تبعاته النفسية والمجتمعية. فما المقصود بالتباين التكاثري بالضبط؟
التباين التكاثري يعني مقارنة عدد الأطفال بين الافراد. هناك فرق بين الرجال والنساء؛ فمعظم النساء تجدن فرصة للتكاثر، بينما هناك دائماً، في كل المجتمعات، رجال يفشلون في التزاوج والتكاثر أكثر من النساء. لذا، التباين التكاثري عند الرجال أكبر منه عند النساء.
ومقارنة بالتباين التكاثري عند أصناف الحيوانات الأخرى، نجد أن التباين التكاثري هو الأدنى عند البشر. أي أن عدد أو نسبة الرجال الذين يفشلون كلياً في التزاوج والتكاثر عند البشر هي الأدنى مقارنة بالأصناف الأخرى. على سبيل المثال، عند الغوريلا، عدد هائل من الذكور يفشلون في التكاثر كلياً، بينما النسبة أقل عند الشمبانزي، وهي الأدنى عند البشر، ليس فقط مقارنة بالقردة العليا، بل مقارنة بالثدييات عموماً.
هناك دراسات كبيرة حول هذا الموضوع، لكن يبدو أن علماء الأنثروبولوجيا الذين أجروا هذه الدراسات لم ينتبهوا إلى التبعات النفسية والاجتماعية لهذه الخاصية الفريدة عند البشر. وهذا هو موضوع نظريتي. افتراضي هو أن هذه المساواة العالية جداً في النظام التكاثري البشري أدت – وهذه افتراضات مبنية على دراسات سابقة – إلى أن نسبة فشل انتقال الصفات أو الجينات منخفضة وهذا بدوره أدى الى أن تنوع الصفات، وخاصة السلوكية، سيكون أكبر عند البشر، لأن هناك نسبة أكبر من الرجال يساهمون في الأجيال القادمة أو في "الحوض الجيني" (Gene Pool).
هذا يعني أن "التباين بين الجنسين" في النجاح التكاثري عند البشر هو الأقل مقارنة بالشمبانزي أو الغوريلا. على سبيل المثال، إناث الغوريلا عموماً تنجب بتباين قليل، لأن أي أنثى ستجد ذكراً مهيمناً تتزاوج معه، فلا مشكلة لديها. عند الشمبانزي أيضاً، لا تواجه الأنثى صعوبة في إيجاد ذكر للتزاوج في وقت الخصوبة. لذا، التباين التكاثري عند الإناث واطئ، والفرق في النجاح التكاثري بين الذكور والإناث عند البشر هو الأقل مقارنة بالأصناف الأخرى.
من هذا أفترض أن التباين في "السمات الشخصية" (Personality Differences) سيكون أكبر عند البشر مقارنة بالأصناف الأخرى من الحيوانات. وذلك لأنه ستكون هناك مجموعة أوسع من الصفات والجينات والسلوكيات التي تنتقل إلى الأجيال القادمة، مقارنةً بالأصناف الأخرى التي فيها نسبة عالية للفشل التكاثري.
هذا التباين في الشخصيات له تبعات أيضاً. فأفترض في نظريتي إلى أنه يمكن أن يشجع على "تقسيم العمل" (Division of Labor) في المجتمعات البشرية. على سبيل المثال، الصفات الشخصية للصياد الجيد تختلف عن المحارب، والتي تختلف عن الحرفي الذي يصنع الأدوات، وفي مراحل لاحقة عن المزارع الجيد، وهكذا. إذن، الاختلاف أو تباين الشخصيات كان له دور في التعقيد المجتمعي وتقسيم العمل وتطور المجتمعات البشرية بالشكل الغني الذي حصل.
عند الثدييات الأخرى، تقسيم العمل بدائي جداً ولا يتجاوز في الغالب وظيفة أو وظيفتين داخل المجموعة. في الواقع، هو غالباً مجرد تقسيم عمل بين الأنثى والذكر، حيث تنجب الأنثى وتُرضع، وقد يكون للذكر دور في الحماية من الذكور الآخرين، كما في حالة الأسد الذكر الذي تكون مهمته المحدودة في الصيد (حيث الإناث هن من يقمن بالصيد أساساً) لكن دوره مهم في حماية الأشبال من الذكور الغرباء. هذا هو تقسيم الأدوار عموماً في الأصناف غير البشرية.
أما تقسيم العمل المعقد في الكائنات غير البشرية فهو موجود عند "الحشرات الاجتماعية" (Social Insects)، والتي لديها تركيب مجتمعي معقد. وهذا أمر مدهش لأن الحشرات الاجتماعية بعيدة جداً عن البشر تطورياً، حيث أن الأصل المشترك بيننا يعود لمئات الملايين من السنين.
أثر تعدد الزوجات
عمر: دكتور، كل هذه النقاط تقودني إلى ملاحظة. أولاً، نلاحظ في التركيبة الاجتماعية للبشر، أو حتى في التركيبة النفسية للأفراد، إذا تحدثت عن الوحشية، قد يظهر البشر أحياناً أكثر وحشية من الحيوانات، وفي أطراف أخرى قد يظهرون أنهم في قمة السلم والرحمة. في سياق التكاثر، يحضرني مثالان: الأول هو تعدد الزوجات الذي قد يصل إلى معدلات مفتوحة كلياً في بعض المجتمعات، ويتزامن مع تباين في مستوى المساواة المتاحة للمرأة. والسؤال هنا: هل هناك ترابط إحصائي بين الحقوق والمساواة بشكل عام، وبين المساواة التكاثرية؟ المثال الآخر حديث، وهو بنوك النطف، حيث يمكن لرجل ذي مواصفات معينة أن ينجب مئات الأطفال، متجاوزاً بذلك أي حيوان آخر.
...





